/ الفَائِدَةُ : (175) /

28/12/2025



/ الفَائِدَةُ : (175) / بسم الله الرحمن الرحيم ، وصلى الله على محمد واله الطاهرين ، واللَّعنة الدَّائمة على أَعدائهم اجمعين. / الفارق بين أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وسائرالصحابة/ إِنَّ أَحد الفوارق بين حقيقة : أَمِير الْمُؤْمِنِين والزهراء والحسن والحسين (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) من جهةٍ ، وسائر الصحابة من جهةٍ أُخرىٰ ؛ أَنَّ الجميع سمع من سَيِّد الْأَنْبِيَاء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ؛ لكنَّه لا يتوفَّر في ذوات سائرالصحابة ، بل وذوات طرّ المخلوقات مهما علت مراتبها ومقاماتها وفضائلها وكمالاتها ما يتوفَّر في ذوات أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ؛ من ترسانة وحي وعلم ومعارف فوق ما لا يتناهىٰ بِمَا لا يتناهىٰ مُدَّة وعِدَّة وعُدَّة. فانظر : بيانات الوحي ، منها ـ إِضافة لِـمَا تقدَّم وما سيأتي (إِنْ شَآءَ اللَّهُ تَعَالَى) ـ : 1ـ بيان سَيِّد الْأَنْبِيَاء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ الوارد في بيان ولادة أَمِير الْمُؤْمِنِين صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ : «... ولقد هبط حبيبي جبرئيل في وقت ولادة عَلِيّ فقال : يا حبيب اللَّـه ، العليّ الأَعلىٰ يقرء عليك السَّلام ، ويهنِّئكَ بولادة أَخيكَ عَلِيّ ، ويقول : هذا أَوان ظهور نبوَّتكَ ، وإِعلان وحيكَ وكشف رسالتكَ ؛ إِذ أَيَّدتكَ بأَخيكَ ... فقم إِليه واستقبله بيدك اليمنىٰ ... فقمتُ مبادراً فوجدتُ فاطمة بنت أَسد أُمّ عَلِيّ وقد جاء لها المخاض ... ثُمَّ قال لي : امدد يدكَ يا مُحمَّد ، فمددتُ يدي اليمنىٰ نحو أُمّه فإذا أَنا بِعَلِيٍّ على يدي ، واضعاً يده اليمنىٰ في أُذنه اليمنىٰ ، وهو يُؤذِّن ويُقيم بالحنيفيَّة ، ويشهد بوحدانيَّة اللَّـه (عَزَّ وَجَلَّ) وبرسالاتي ، ثُمَّ انثنىٰ إِليَّ وقال : السلام عليكَ يا رسول اللَّـه ، ثُمَّ قال لي : يا رسول اللَّـه ، أقرء؟ قلتُ: اِقرء ، فوالَّذي نفس مُحمَّد بيده ، لقد ابتدأ بالصحف الَّتي أَنزلها اللَّـه (عَزَّ وَجَلَّ) على آدم فقام بها ابنه شيث ، فتلاها من أَوَّل حرف فيها إِلى آخر حرف فيها ، حتَّىٰ لو حضر شيث لأَقَرَّ له أَنَّه أَحفظ له منه ، ثُمَّ تلا صحف نوح ثُمَّ صحف إِبراهيم ، ثُمَّ قرأ توراة موسىٰ ... ثُمَّ قرأ زبور داود ... ثُمَّ قرأ إِنجيل عيسىٰ ... ثُمَّ قرأ القرآن الَّذي أَنزل اللَّـه عَلَيّ من أَوَّله إِلى آخره فوجدتَّه يحفظ كحفظي له السَّاعة من غير أَنْ أسمع منه آية ، ثُمَّ خاطبني وخاطبته بما يخاطب الأَنبياء الأَوصياء ، ثُمَّ عاد إلى حال طفوليَّته ، وهكذا أَحد عشر إِماماً من نسله ...» (1). 2ـ بيان أَمِير الْمُؤْمِنِين صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، عن الأصبغ بن نباتة قال : «لَـمَّا قدم عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ الكوفة صلَّىٰ بهم أَربعين صباحاً فقرأ بهم : [سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى](2)فقال المنافقون : واللَّـه ما يحسن أَنْ يقرأ ابن أَبي طالب القرآن! ولو أَحسن أَنْ يقرأ لقرأ بنا غير هذه السورة ، قال : فبلغه ذلك ، فقال : ويلهم إِنِّي لأَعرف ناسخه ومنسوخه ، ومحكمه ومتشابهه ، وفصاله من وصاله ، وحروفه من معانيه ، واللَّـه ما حرف نزل على مُحمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ إِلَّا وأَنا أعرف فيمَنْ نزل ، وفي أَيِّ يومٍ نزل ، وفي أَيِّ موضعٍ نزل ، ويلهم أما يقرؤون : [إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى](3)... ويلهم واللَّـه ، إِنّي أَنا الَّذي أَنزل اللَّـه فِيَّ : [وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ](4)؛ فإنَّا كُنَّا عند رسول اللَّـه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ فيخبرنا بالوحي ، فأعيه ويفوتهم ، فإذا خرجنا قالوا : ماذا قال آنفاً»(5). 3ـ بيان الإِمام الصَّادق صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ : « في قوله تعالىٰ : [وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ](6)قال : وعت إِذن أَمِير الْمُؤْمِنِين عَلَيْهِ السَّلاَمُ ما كان وما يكون»(7). 4ـ بيانه صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، عن عليِّ بن عبد العزيز ، عن أَبيه ، قال : « قلتُ لأَبي عبد اللَّـه عَلَيْهِ السَّلاَمُ : جعلتُ فداك ، إِنَّ النَّاس يزعمون أَنَّ رسول اللَّـه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ وجَّه عليّاً عَلَيْهِ السَّلاَمُ إِلى اليمن ليقضي بينهم فقال عليٌّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ : فمَا وردت عَلَيَّ قضيَّة إِلَّا حكمتُ فيها بحكم اللَّـه وحكم رسول اللَّـه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ، فقال : صدقوا. قلتُ : وكيف ذاك ، ولم يكن أُنزل القرآن كُلّه ؟ وقد كان رسول اللَّـه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ غائباً عنه ؟ فقال : تتلقَّاه به روح القدس»(8). ودلالة الجميع على المُدَّعىٰ واضحة ولا غبار عليها. ومنه يتَّضح : مدىٰ فظاعة وانحطاط مقولة قائلهم ؛ صاحب البذرة الشيطانيَّة الإِبليسيَّة الفظيعة الخطيرة ، الَّتي حرَّفَت الإِسلام من أَصله وجذره وأَساسه ـ عمر بن الخطَّاب ـ في رزية الخميس : «حسبنا كتاب اللَّـه»(9) ؛ فإِنَّه أَيُّ شيءٍ وعىٰ هذا القائل ووعت هذه الأُمَّة ، بل المخلوقات من كتاب اللَّـه العزيز؟!! فهل تناوله أَو تناولته كيما يُستغنىٰ عن تراث سَيِّد الْأَنْبِيَاء والعترة الطَّاهرة صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، إِنَّ هذه المقولة وأَشباهها ونظائرها جرأة على الشريعة القويمة ، وهتك لأَستار السُّنَّة الكريمة ، وأَقاويل تضع الحبلىٰ منها لشناعتها ، وتضحك الثكلىٰ منها لغرابتها ، ونقول لقائلها : (أَين ضلَّت مطيَّتك يا حسَّان) ، فأَين الذهب من الرغام ، وأَين الثرىٰ من عرش علوم الرحمٰن. وبالجملة : أَنَّ الوحي الإِلٰهيّ يحتاج إِلى عبور وتعبير ومحطَّات ، وترجمة معاني وحقائق لا نهاية لها ، وبعض هذه المحطَّات لا يمكن لمخلوقٍ قطُّ دركها والوصول إِلى معانيها ومعارفها وحقائقها ، بل ولا العروج ؛ بل لا يحتملها إِلَّا ملك مُقرَّب أَو نبيّ مرسل ، أَو عبد أَمتحن اللَّـه قلبه للإيمان. فانظر : بيانات الوحي ، منها : بيان الإِمام الباقر صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ : « إِنَّ حديث آل مُحمَّد صعب مستصعب، ثقيل مُقَنَّع ، أَجرد ذكوان ، لا يحتمله إِلَّا ملك مقرَّب ، أَو نبيّ مرسل ، أو عبد أَمتحن اللَّـه قلبه للإيمان ، أَو مدينة حصينة ، فإذا قام قائمنا نطق وصدَّقه القرآن»(10). بل بعض هذه المحطَّات لا يمكن لمخلوقٍ قَطُّ تحمُّلها ؛ وإِنْ كان ملكاً مُقرَّباً ـ كجبرائيل عليه السلام ـ ، أَو نبيّاً مرسلاً ـ كالنبي ابراهيم عليه السلام ـ ، أَو مؤمناً ممتحناً ـ كسلمان (رضوان الله عليه) ـ . فلاحظ : بيانات الوحي ، منها : بيان الإِمام الباقر صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، عن أَبي إِسحاق اللَّيثي ، قال : « ... إِنَّ من حديثنا وسرّنا وباطن علمنا ما لا يحتمله ملك مُقرَّب ، ولا نبيّ مرسل ، ولا مؤمن ممتحن . قلتُ : يا سيِّدي ومولاي فَمَنْ يحتمله إِذاً ؟ قال : ما شاء اللَّـه وشئنا ...»(11). بل بعض هذه المحطَّات والمراتب لا يمكن لطُرِّ العوالم وجملة المخلوقات غير المتناهية العروج إِليها ودركها ودرك معارفها ، بل ولا تحمُّلها ولا يحتملها إِلَّا هم (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ). فانظر : بيانات الوحي ، منها : بيان الإِمام الصَّادق صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، عن أَبي الصَّامت ، قال : « إِنَّ من حديثنا ما لا يحتمله ملك مُقَرَّب ، ولا نبيّ مرسل ، ولا عبد مؤمن . قلتُ : فمَنْ يحتمله ؟ قال : نحن نحتمله»(12). / بعض خصائص هذا المبحث/ ومن خصائص هذا المبحث أَنَّه يوقف الباحث على مباحث أُخرىٰ مُهمَّة وخطيرة جِدّاً ، منها : مبحث النزاع الدستوري ، وهو من أَعقد النزاعات الحاصلة بين سلطات الدولة الثلاث ـ التشريعيَّة ، والتنفيذيَّة ، والقضائيَّة ـ فإِنَّه لابُدَّ من الإِلتجاء في حلِّه : الإِحتكام لجهةٍ عُليا ، لها سيادة الحسم لِـمِثْلِ هذه القضايا والمواقف والنِّزَاعات والصِّرَاعات ، وهي : (المحكمة الدستوريَّة) ؛ فإِنَّ أَصحابها يتمتَّعون بمكنة وقدرة الوقوف على بواطن قوالب أَلفاظ ومعاني وحقائق دستوريَّة لم تكن عند غيرهم ـ كـ : رئيس الدولة ، ورئيس البرلمان ، ورئيس السلطة القضائيَّة ، وأَصحاب الخبرة من الكُتل البرلمانيّة ـ مع أَنَّهم من أَبناء اللغة الَّتي كُتِبَ بها الدُّستور ، ومن ثَمَّ يُضطرُّ ـ بعدما كانت حقيقة الدستور ليست قائمة في الأَلفاظ ، بل في معانيه وحقائقه الَّتي لا يُخبرها إِلَّا الخبير الدستوري ـ في الأُمور الشائكة المُتعلِّقة به إلى مُفسِّرٍ ومُترجمٍ لغوامضه ومبهماته ، وصاحب علم ومعرفة أَرفع في قراءته وتفسيره. ويُصطلح على مَنْ يتمتَّع بهذه المكنة والقدرة بـ : (الترجمان) ، والمراد منه : مَنْ يتمتَّع بعلمٍ ومعرفةٍ وإِحاطةٍ بمنظومة العلم ، يتمكَّن من خلالها : معرفة أُصول تشريع ذلك العلم وفروعه. وعليه : فهل يحقُّ في مِثْلِ تلك الخلافات والنِّزَاعات والصِّرَاعات أَنْ يقول قائلهم : «حسبنا دستور الدولة» !! فإِنَّ نقوش وأَلفاظ فقراته بعدما كانت صامتة وصمَّاء ولا تنطق بنبرة شفة ، وكان المتجاذبون كُلّ يجرّ النَّار إِلى قرصه فلا تشفع ـ تلك النقوش والأَلفاظ ـ في حلِّ مسائله وقضاياه المُعقَّدة ، لاسيما الشائكة ، وحينئذٍ لا تكون يد الحلّ إِلَّا عند من يُحيط بعمق وجذور وبواطن : قوالب أَلفاظه ، ومعانيه ، وحقائقه ليس إِلَّا. هكذا حال الإِختلافات الشرعيَّة والدينيَّة لاسيما المعرفيَّة منها ، بل والعقائديَّة ، والنِّزَاعات والصِّرَاعات بين أَصحاب المذاهب والأَديان والملل، فلا تُحلُّ إِلَّا بيد مَنْ كان مُحيطاً بعمق وجذور وبواطن قوالب التَّشريعات والمعارف والعقائد الإِلٰهيَّة ، وبواطن معانيها وحقائقها ، ولا يوجد ذلك إِلَّا في أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ . وهذا ما أَشارت إليه بيانات الوحي ، منها : بيان خطبة فاطمة الزهراء صلوات اللَّـه عليها(13): «... وطاعتنا نظاماً للملَّة ، وإِمامتنا أَماناً من الفرقة ...»(14). وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الأَطْهَارِ . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) بحار الأَنوار ، 35 : 19 ـ 23/ح15. الروضة : 17 ـ 18. روضة الواعظين : 72 ـ 74. الهداية الكبرى: 126. (2) الأعلىٰ : 1. (3) الأعلى : 18ـ19. (4) الحاقة : 12. (5) بحار الأَنوار ، 40 : 138/ح31. بصائر الدرجات : 135. (6) الحاقة : 12. (7) بحار الأَنوار ، 40 : 143/ح46. بصائر الدرجات : 151. (8) بحار الأَنوار ، 25: 57/ح23. بصائر الدرجات ، 2 : 362/ ح2. 16ـ 10. مختصر البصائر: 46/ح2ـ2. (9) بحار الأَنوار ، 25 : 88. (10) بحار الأَنوار ، 2 : 191/ح27. (11) المصدر نفسه ، 64 : 102 ـ 103/ح21. (12) المصدر نفسه ، 2 : 193/ح36. (13) لا بأس في المقام بالإِلتفات إِلى القضايا الأَربع التَّالية : الأُولىٰ : المعروف : أَنَّ لفاطمة صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْها خطبتين ، لكنَّه ثبت بالتتبُّع الناقص أَنَّ لها أَربع خطب في أَربعة مواطن ، وليست لها أَربع نسخ لخطبةٍ واحدة ، وأَحد هذه المواطن : في المسجد النبوي. وهي الخطبة المعروفة. الأُخرىٰ : عندما أَتتها صلوات اللَّـه عليها نساء المهاجرين والأَنصار. وهذه أَيضاً خطبة معروفة. ثالثها : حينما أَتتها عائشة بنت طلحة ، فخطبت صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْها ، ونشرتها ابنة طلحة. رابعها : عند قبر حمزة × أَو في مكان آخر. الثَّانية : أَنَّ خُطْب فاطمة الزهراء صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْها كانت تشريح وتحليل للأَوضاع دقيق ورقيق. الثَّالثة : أَنَّ أَمِير الْمُؤْمِنِين والبتول فاطمة صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِما جناحان وفرسان نوران نبويَّان إِلٰهيَّان في مواجهة تربية هذه الأُمَّة وتمرُّدها ، لكن الأُمَّة لم تتحمَّل ولم تخضع ولم تنصاع تربويّاً لهما صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِما ، ولا زالت إِلى الآن. الرابعة : المعروف ـ بحسب تدبُّر كثير من أَكابر الفريقين ـ : أَنَّ فاطمة الزهراء صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْها حينما احتجَّت في قضيَّة فدك احتجَّت بحجج لا تدافع بينها ؛ بل بينها تمام الموافقة والموائمة والمؤازرة ؛ فإِنَّه يمكن للإِنسان تَملُّك الشيء الواحد بأسباب مُتعدِّدة لا تضارب بينها. الحُجَّة الأُولىٰ : أَنَّها وارثة أَبيها صلَّىٰ اللَّـه عليهما وعلى آلهما وراثة اصطفائيَّة. وقد اعترف علماء العامَّة والجمهور بـ : أَنَّ وراثة النَّبيّ سليمان من أَبيه النَّبيّ داود ‘ الواردة في بيان قوله تعالىٰ : [وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ] [النمل: 16] وراثة اِصطِفائيَّة. وحيث إِنَّ لسَيِّد الْأَنْبِيَاء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ولاية على الفيء شاملة لكلّ الأَرض ؛ انتقل هذا الإِرث بالوراثة الاِصطِفائيَّة من ضمنه أَرض فدك ـ بنصِّ بيان قوله تعالىٰ المُتقدِّم وغيره ـ بعد استشهاده صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ إِلى قرباه : فاطمة الزهراء وأَمِير الْمُؤْمِنِين وسائر أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ . لكن : هذه القضيَّة غفل عنها الكثير من الخاصَّة ، وحصروا وراثتها صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْها من أَبيها صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ بالوراثة الماليَّة الماديَّة. والحقُّ : أَنَّ إِرث فيء الأَرض وإِن كان ماليّاً ماديّاً ، لكنَّ ماليَّته ليست ماليَّة ماديَّة فرديَّة فقط ؛ لأَنَّه لَـمَّا كانت ـ هذه الماليَّة ـ لها سعة شاملة لجملة الأَرض كانت ولاية اِصطِفائيَّة. الحجَّة الثَّانية : أَنَّ أَبيها صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ وهب أَرض فدك لها. الحُجَّة الثَّالثة : أَنَّ أَرض فدك كانت تحت يدها حين استشهاد أَبيها صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ؛ فتكون داخلة في ملكها ؛ لقاعدة اليد من دون حاجة إِلى بيِّنة. الحُجَّة الرابعة : أَنَّ أَرض فدك سداد دين مهر أُمّها خديجة ، وهذا إِرث اِصطِفائي ورثته من أُمِّها صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِما. (14) بحار الأَنوار ، 29 : 223